اللاهوت والسياسة لدى سبينوزا






 يعتبر كتاب "رسالة في اللاهوت والسياسة" من أهم المؤلفات الفلسفية التي تناولت علاقة الدين بالسياسة، وتظهر أهميته في إستخذام المنهج الديكارتي في هذا التمييز، وتحديد للأفكار الواضحة من غيرها. وسنحاول في هذا المقال إبراز جدة سبينوزا باعتباره أرضية لظهور الحداثة السياسية والتنويرية، ثم عرض لمنهجه التاريخي في قراءة النصوص المقدسة، لأن ذلك يندرج ضمن الشق اللاهوتي في الرسالة، ثم عرض نظريته في نشأة الدولة وحدود ممارساتها السياسية دون الإخلال بالحريات الفردية.
إن فلسفة سبينوزا تشكل إمتدادا للفكر الديكارتي الذي إستخذم المنهج العلمي والرياضي في تحليله للظواهر الكونية، فكان له السبق في القطع مع العقلية القروسطية، التي إعتمدت التكرار والتحليل التفصيلي الذي ينطلق من قضية لأخرى دون إقتضاب.
يظهر سبينوزا إذن في تطبيق قواعد المنهج على النصوص الدينية اليهودية، لأن ديكارت قد إعتمد مهادنة رجال الدين في تحليلاته، لكن سبينوزا أخذت به الجرأة الفلسفية إلى مقارعة الخرافة الدينية وأبرز مجال ممارسة اللاهوت باعتماد النور الفطري.
لم تكن الجرأة قد أخذت منحاها في الحديث عن العلاقة بين الدين والسياسة لتتشكل في بدايات الأزمنة الحديثة إلا مع ظهور باروخ سبينوزا على الأقل، لأن الحداثة التنويرية قد رفعت شعار "نزع الوصاية" كما يبدو في نصوص إمانويل كانط لاحقا، لكن البذرة التي زرعها سبينوزا قد أخذت تعطي ثمارها.
سؤال الحرية هو سؤال الإنسان، بناء هذا الأخير لن يتم إلا باعطائه الإستقلالية التامة في تحديد مصيره. وهذا لا يتأتى في نظر سبينوزا إلا بنقد الإرث المقدس، النصي منه أساسا، فكيف قام سبينوزا بعملية نقد النصوص المقدسة؟
01. نقد النصوص الدينية:
إن النقد التاريخي للنصوص الدينية يشكل أحد مناهج الفلسفة الحديثة، ومهمته هي إقامة نص ديني خال من الشوائب أو التحاريف التي يمكن أن تلحق بالنص، إنه يستهدف التحقيق وإزالة النصوص المحرفة للرسالة الدينية، وهذا الأمر لم تستسغه السلطة الدينية المحافظة لأنه  يشكك في مرجعيتها.
يعتبر النقد التاريخي أساسيا في نشأة حركة التجديد الديني في الفكر المعاصر، لأن النص يظل إنعكاسا للوقائع الشعورية للنبي أو الرسول، فالنص هو نتاج لترجمة الوحي، لكن الإشكال المطروح هو تلك الإضافات اللاحقة التي قد يضيفها المصلحون أو رجال الدين اللاحقون، والتي تتخذ نصا مقدسا شكلا لها.
الإنتقال من التاريخي المحض إلى التبجيل والتقديس هو ما يجعل العقل فريسة للخرافة. يتحدث سبينوزا عن مجموع أسفار منحولة أو متناقضة فيما بينها: "سفر الأخبار" الذي كتب بعد موت "عزرا" بمدة طويلة.01
إن الممارسة اللاهوتية كي تضمن إستمراريتها ينبغي لها إحترام خصوصيات الأفراد وتتكيف مع واقعهم التاريخي، وهي إن نحت منحى وضع أقنوم للحياة تؤبده بصورة دائمة، فإنها ستصطدم حتما مع هذه الخصوصيات. من هنا دلالة إفتتاح سبينوزا لرسالته بالحرية لأنها هي جوهر الإنسان، كما أنها لا تتعارض مع النظام السياسي.
02. نقد الممارسة السياسية:
إن الشأن السياسي مرتبط بالممارسة العمومية للسلطة ولإتخاذ القرارات عبر نقاش جماعي مشترك، أما الممارسة الدينية فهي تندرج ضمن خصوصيا الأفراد وتداخل الديني بالسياسي يفسح المجال للإستبداد الفكري ومصادرة الحريات الفردية. لأن مهمة رجل الدين هي الإهتمام بالعقائد وليس الإنخراط في السياسة. عقلنة السياسي تمر عبر واسط الفكر النقدي. الديني يندرج ضمن مجال التعلق القلبي، أما السياسي فمهمة العقل والفكر وحدهما.
يتحدث سبينوزا في رسالته عن مقومات الدولة وهي:
حق الفرد الطبيعي والمدني:
يقصد بالحق الطبيعي مجموع القواعد التي تتميز بها طبيعة كل فرد، وهي القواعد التي يتم بها إدراك أن كل موجود يتحدد وجوده وسلوكه حتميا على نحو معين.02
إن الحق الطبيعي يتميز بإطلاقيته وتلقائيته، يشمل هذا الحق حرية القيام بأي فعل أو الإمتناع عنه، دون وجود لقوة أو سلطة تحد من هذه الحرية. الحق الطبيعي غريزي يهدف لحفظ الذات وتحقيق اللذة لكنه يتعارض مع سلطة العقل، ومع الحقوق الطبيعية الأخرى وهذا ما يساهم في نشأة العنف أو حالة الطبيعة.
لكن بتسامي الإنسان وإستخذامه للعقل، نشأ عقد إجتماعي وتحالف سلمي على تنظيم الحقوق الطبيعية وفق مؤسسة القانون. من هنا ظهر الحق المدني كحق موازي للحق الطبيعي لكن بوجود سلطة تتحكم فيه.
إن معرفة أصل الحق هو مدخل أساسي في فهم النظرية السياسية لنشأة الدولة الحديثة، وهو أمر طرحه مفكرون آخرون حتى وإن إختلفت السياقات التاريخية والمعرفية ( جون لوك، توماس هوبز..).
الديمقراطية:
يشير سبينوزا إلى إمكانية حفظ الحقوق الطبيعية قائمة، مادامت الإرادة السياسية للأفراد هدفها هو  الإحترام المتبادل.
يقضي شرط الديمقراطية تفويض قدرات الأفراد للمجتمع بحيث تكون هناك هيئة تحتكر السلطة في حدود القانون المتوافق بشأنه. تقطع الديمقراطية إذن مع الممارسات التيوقراطية التي تحكم باسم قوة مفارقة للوجود أو بشرعية لاهوتية.
يؤاخذ سبينوزا على الدولة العبرية قديما والأنظمة القروسطية في عصره، إستبدادها الفكري، ويرى أن منبع ذلك هو إقحام الدين في الممارسة السياسية التي تبقى مجالا لتضارب الصراعات والمصالح.
لم يتردد سبينوزا في الإنخراط في هموم عصره وقضاياه، ويظهر من خلال كتاباته الفلسفية أنه يمثل قيم الحداثة الفكرية من إحترام وحرية وإستقلالية بالقياس مع الكنيسة والأصولية.
إن التمييز بين اللاهوت والسياسة عند سبينوزا لم يكن من فراغ، كما أنه قد لاقى شتى أنواع التنكيل، وهي محنة الفكر بشكل عام، فالفكرة عندما تظهر للوجود لا يمكن تقبلها بسرعة. وقد نبذ سبينوزا ونفي دفاعا عن حرية الفكر والإيمان، وكانت الفتوى اللاهوتية الصادرة عن الكنيس اليهودي في أمستردام دليلا على حقد المؤسسة الدينية على الفكر الحر.03
يظهر أن مقاربة اللاهوت والسياسة شبيهة بإشكالات العقل والإيمان أو الفلسفة والدين، كل له خصوصياته ومجال إشتغاله لكن الذي يحدث هو هيمنة وهم الشمولية والكليانية على هذا المجال أو ذاك، بحيث يدعي الدين كيفما كان نوعه أنه صالح للبشرية جمعاء وقس على ذلك المجالات الأخرى.
إن الفصل بين الدين والسياسة أصبح ضرورة منهجية لتخليق العمل السياسي المعاصر، خصوصا في العالم العربي-الإسلامي، الذي شهد صعود مد الإسلام السياسي بعد أفول نجم البدائل الإشتراكية والليبرالية، لكن ينبغي أخذ معنى الفصل عدم الإقصاء أم الإستبعاد، ولكن يقصد به هو تحديد إطار الإشتغال وعدم التساهل مع إختراقات الحدود.
إن الممارسة السياسية للدين أو العكس، تلحق الضرر أكثر مما تساهم في إيجاد حلول للمشاكل الحياتية. وهو ما فطن له سبينوزا عندما إنتقد "أسطرة" الدين من طرف الدولة العبرية قديما.04
إن تأسيس هذه الحداثة السياسية مع كل تناقضاتها لم يأت دون وجود مخاضات وتجارب وتطاحنات تاريخية وسياسية، والعالم العربي-الإسلامي لا زال يقوم بتحيين التجارب التي كانت سائدة في أوروبا الفروسطية.
إذن فهناك تفاوت تاريخي بين الغرب والعالم العربي-الإسلامي، لكن يمكن الإستفادة من هذه التجارب بعدم تكرارها.
---------------------------------------
01."رسالة في اللاهوت والسياسة". باروخ سبينوزا، ترجمة "حسن حنفي" دار الطليعة 1997.صفحة:307
02.المرجع نفسه: ص 377
03.Yirmiyahu Yovel ; Spinoza et autres hérétiques ;seuil ;paris 1991 ;p10FF
04.آخذ سبينوزا على اليهود "تأبيدهم" لميثاق الشرف الذي وضعه موسى لبني إسرائيل، بحيث اعتبر أن الله قد اختارهم دون سائر البشر، لكن يوضح سبينوزا أن هذا الإختيار كان ظرفيا فقط، وينتقد رجال الدين الذين قاموا بتحويله إلى أسطورة.


                    بقلم : ذ مولود البيكم 
                    

قالب تدوينة تصميم بلوجرام © 2014