قرية السراب


- هي نظرات آفلة ..

كانت القرية تعج بالفتيان ، يضرب المثل في الرجولة بحضورهم . يقال " .. فلان يحرسنا ، " . أصبح الفتيان في رأي العين خيالا يختفي كلما اقترب الفؤاد من تبيانه ، يشبهون برك الماء الموهومة في منتهى الطريق أتناء اشتداد حر الصيف . في البداية تفاخر الجميع بالسنة الجديدة التي ابتدعتها الأيام لحراس القرية ، حراسنا . أنا كذلك تفاخرت .
سافر فلان إلى المكان المعلوم ، يغادر هيكلا عظميا ويعود وقد تجددت روحه كأنه لم يكن يوما يحرسنا ويبيع وجهه للشمس وعظامه للبرد . أما فلان فقد عاد ليتبرك بتراب تمرغ فيه يوما . علان يعد حقيبته وأهله لفاجعة سفر فهمنا الآن أنه لم يكن نعمة بل لعنة . أنا وبقية بنات القرية أول من أدرك ذلك ، تم توالت علامات اللعنة لتدرك من لدن الجميع .
نحن البنات أول من أصيب بزلزال نزوحهم ، كانوا يذهبون وفي عيوننا أمل يحرصهم لأجل أن يعودوا معطرين بالحكمة التي يقول عنها أجدادنا ممن جربوا فضائل الرحال . لكنهم يعودون وقد فقدوا رئحة جهاد قديم يطبعهم بالفطرة حراسا ورجالا . عاد أولهم وبيده حقيبة من تلك التي لا توجد بقريتنا مثلها وباليد الأخرى هزيمتنا . يقدمونها متفاخرين كفتح عظيم ، " هذه اسمها ... " نعرف فقط أنها هزيمة دون أن تقدر ذاكرة أحد على ترتيب انزلا قات حروف أسمائهن .
تناسلت جلسات الكآبة تحت جدران عارية ، تعزي إحدانا الأخرى بحديث لا جسد ولا رائحة له ، ندمن فجأة اجتراء قصص حب تقع في تلك الأماكن المعلومة التي سرقت حراسنا وحولتهم إلى أوهام ، .. كنا بحاجة لتلك الأجهزة حتى نفهم أن اللعنة كانت كبيرة وأننا كنا نطعمهم للأسود بتفاخرنا القديم وفحش جهلنا ،..

- هو مزاد للبيع الخفي

يسكننا جميعا حنين عظيم ، لكن قد سبقته أنفة القروي المستنفر إلى دواخلنا . نموت ولا نهزم ، في الجبهة لا نتردد ... هنا كلنا مهزومون ، وكلنا يعانق حضن الكل بحثا عن رائحة لا توجد إلا بتراب وشمس قريتنا . نرتشف فناجين الانتظار ونتغامز كلمات شوق مخفية في حديث نفرده ونطويه عن تلك الجميلة التي نراها تمر في صباحيات قريتنا لتسقي أهلها ماء العين ...
ذات الأنفة التي تبقينا أقوياء أمام حر الشمس في قريتنا وبرد لياليها ، هو نفسه جعلنا نبتعد عن قديم عهدنا ، ننتحر أحياء ونحن مرغمون. لأجل أن نعود من جديد إلى قريتنا كان لزاما الاختيار بين نار ونار . نجمع حقائبنا وقد خسرنا تلك الآمال التي ملأنا بها كل فراغ منها يوم قررنا أن نستقيل من صفة الرجولة تلك إلى وهم الرجولة هذا .
جبهة قتال ، ما عسى نفعل ؟ لا يجب أن نخون مبدأنا الكبير ، أو على الأقل يجب أن نخفي تلك الخيانة في مشيتنا الجديدة وحقيبتنا التي لا يوجد مثلها في القرية وفي تلك السكين التي أدميت بها فؤادها ، وجعلت كلماتها ونظراتها المخطوفة تنزف دما .


                                                                                                             عصام 

قالب تدوينة تصميم بلوجرام © 2014